السيد كمال الحيدري

103

شرح كتاب المنطق

ذلك علواً كبيراً ) بل لأسباب تؤهلّهم لقبول ذلك الفيض الإلهي . وبتلك القوّة يستطيعون تجاوز الحركتين الأوليين بأسرع من لمح البصر ، بحيث ينتقلون إلى حلّ المشكل بمجرّد أن يعرفوا نوعه ، وتلك القوّة تسمَّى بالحدس ، ولهذا نجد القضايا الحدسية تقترب من البديهيات بل جُعلت من أقسامها . وأشار المصنّف ( رحمه الله ) إلى ما ذكرنا بقوله : [ نعم من له قوّة الحدس يستغني عن الحركتين الأوليين ] يعني الحركة الثالثة والرابعة ، باعتبار أنّ مواجهة المشكل وعدم معرفة نوعه معدّان للفكر ومن شرائط تحقّقه ، وإلا فمع عدم مواجهة المشكل وعدم معرفة نوعه ، لا معنى لتحقّق الفكر أصلًا . [ وإنَّما ينتقل رأساً بحركة واحدة من المعلومات إلى المجهول ] أي ينتقل بحركة واحدة من المعلوم الخاصّ إلى المجهول المطلوب الكشف عنه . [ وهذا معنى « الحدس » ، فلذلك يكون صاحب الحدس القويّ أسرع تلقّياً للمعارف والعلوم ، بل هو من نوع الإلهام وأوّل درجاته ] . فصاحب الإلهام أقوى في تلقّي العلوم والمعارف من الذي ليس له تلك القوّة ، فإنّ من لم يرزقه الله إيّاها لا يتمكّن من التصديق بأيّة معلومة ما لم يمرّ بجميع الحركات . ولتقريب الفكرة نضرب مثالًا فنقول : إذا أراد المعلّم أن يكشف لتلاميذه شيئاً مجهولًا ، فأوّل شيء يفعله يجعلهم يواجهون المشكل ، ثم يعرّفهم نوعه ، ثم ينتقل بهم من المجهول إلى المعلومات التي هي رأس المال ، ومن المعلومات إلى المجهول حتى يكشف عنه ، فيمرّ بجميع المراحل . وعلى هذا ، فمن أراد أن يتعلّم ولم يكن له قوّة الحدس يكون تلقّيه للمعارف أبطأ ممن له تلك القوّة حيث يكون أسرع تلقياً ، ولذا نجد بعض الطلاب يتلقّون المعلومات ويفهمونها بسرعة ، وبعضهم لا يستوعبها إلا إذا أعيدت عليه مراراً . وبهذا المعنى وردت رواية نقلها العلامة المجلسي ، عن إسحاق قال : قلت لأبي عبد الله عليه السلام : الرجل آتيه أكلّمه ببعض كلامي ، فيعرف كلَّه ، ومنهم